الشنقيطي
271
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بالعصاة لرسل اللّه . الواقع أن أي نوع من العقوبة فيه آية على القدرة ، وفيه تنكيل بمن وقع بهم ، ولكن تخصيص كل أمة بما وقع عليها يثير تساؤلا ، ولعل مما يشير إليه القرآن إشارة خفيفة هو الآتي : أما فرعون فقد كان يقول : أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [ الزخرف : 51 ] ، فلما كان يتطاول بها جعل اللّه هلاكه فيها أي في جنسها . وأما قوم نوح فلما يئس منهم بعد ألف سنة إلا خمسين عاما ، وأصبحوا لا يلدوا إلا فاجرا كفارا ، فلزم تطهير الأرض منهم ، ولا يصلح لذلك إلا الطوفان . وأما ثمود فأخذوا بالصيحة الطاغية ، لأنهم نادوا صاحبهم فتعاطى فعقر ، فلما كان نداؤهم صاحبهم سببا في عقر الناقة كان هلاكهم بالصيحة الطاغية . وأما عاد فلطغيانهم بقوتهم ، كما قال تعالى فيهم : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ( 6 ) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ ( 7 ) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ [ الفجر : 6 - 8 ] ، وسواء عماد بيوتهم وقصورهم ، فهو كناية عن طول أجسامهم ووفرة أموالهم وتوافر القوة عندهم ، فأخذوا بالريح وهو أرق وألطف ما يكون ، مما لم يكونوا يتوقعون منه أية مضرة ولا شدة . وكذلك جيش أبرهة لما جاء مدل بعدده وعدته ، وجاء معه بالفيل أقوى الحيوانات ، سلط اللّه عليه أضعف المخلوقات والطيور وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ ( 3 ) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ [ الفيل : 3 - 4 ] . أما قوم لوط فلكونهم قلبوا الأوضاع بإتيان الذكور دون الإناث ، فكان الجزاء من جنس العمل ، قلب اللّه عليهم قراهم . والعلم عند اللّه تعالى . ولا شك أن في ذلك كله تخويف لقريش . قوله تعالى : وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً [ 14 ] . تقدم بيانه للشيخ رحمه اللّه في سورة الكهف عند قوله تعالى : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ [ الكهف : 47 ] . قوله تعالى : يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ [ 18 ] . تقدم بيانه للشيخ رحمة اللّه عند قوله تعالى : وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً [ الكهف :